ملا محمد مهدي النراقي

160

جامع السعادات

ولو تصورت زوال النعمة عن محسودك بحسدك ، وعدم زوالها عنك بحسد حاسدك ، لكنت أجهل الناس وأشدهم غباوة . نعم ، ربما صار حسدك منشأ لانتشار فضل المحسود ، كما قيل : وإذا أراد الله نشر فضيلة * طويت ، أتاح لها لسان حسود فإذا لم تزل نعمته بحسدك ، لم يضره في الدنيا ، ولا يكون عليه إثم في الآخرة . وأما إنه ينفعه في الدين ، فذلك ظاهر من حيث كونه مظلوما من جهتك ( لا ) سيما إذا أخرجك الحسد إلى ما لا ينبغي من القول والفعل . كالغيبة ، والبهتان ، وهتك ستره ، وإفشاء سره ، والقدح فيه ، وذكر مساويه . فتحتمل بهذه الهدايا التي تهديها إلى بعضا من أوزاره وعصيانه ، وتنقل شطرا من حسناتك إلى ديوانه ، فيلقاك يوم القيامة مفلسا محروما عن الرحمة كما كنت تلقاه في الدنيا محروما عن النعمة . فأضفت له نعمة إلى نعمة . ولنفسك نقمة إلى نقمة . وأما إنه ينفعه في الدنيا ، فهو إن أهم أغراض الناس مساءة الأعداء ، وسوء حالهم ، وكونهم متألمين معذبين . ولا عذاب أشد مما أنت فيه من ألم الحسد . فقد فعلت بنفسك ما هو غاية مراد حسادك في الدنيا . وإذا تأملت هذا ، عرفت أن كل حاسد عدو نفسه ، وصديق عدوه . فمن تأمل في ذلك ، وتذكر ما يأتي من فوائد النصيحة وحب الخير والنعمة للمسلمين ، ولم يكن عدو نفسه ، فارق الحسد البتة . وأما العمل النافع فيه ، فهو أن يواظب على آثار النصيحة التي هي ضده ، بأن يصمم على أن يكلف نفسه بنقيض ما يقتضيه الحسد من قول وفعل ، فإن بعثه الحسد على التكبر عليه ، ألزم نفسه التواضع له ، وإن بعثه على غيبته والقدح فيه ، كلف لسانه المدح والثناء عليه ، وإن بعثه على الغش والخرق بالنسبة إليه ، كلف نفسه بحسن البشر واللين معه ، وإن بعثه على كف الأنعام عنه ، ألزم نفسه زيادته . ومهما فعل ذلك عن تكلف وكرره ودوام عليه ، انقطعت عنه مادة الحسد على التدريج . على أن المحسود إذا عرف منه ذلك طاب قلبه وأحبه ، وإذا ظهر حبه للحاسد زال حسده وأحبه